مؤلف مجهول
98
الإستبصار في عجايب الأمصار
في فضاء داخل في البحر كأنه جزيرة والمنارة في أعلا هضبة منها . وقد أحاط البحر بالمنارة من 3 جهات : من ناحية الشمال والغرب والجنوب ؛ فتنظر حينئذ إلى المنارة فتراها كأنها سحابة قد ارتفعت في الجو ، فتظن أنها ترتعد من انعكاس شعاع الشمس وضرباته في المنارة « 1 » . ولهذه المنارة بالإسكندرية مجتمع في العام يسمونه بخميس العدس « « ا » » ، وهو أول خميس في شهر مايه لا يختلف في مدينة الإسكندرية عن الخروج إلى المنار في ذلك اليوم أحد . وقد أعدوا لذلك اليوم الأطعمة والأشربة ، ولابد في ذلك الطعام من العدس . فيفتح بابها للناس ويدخلون فيها ، فمن ذاكر للّه تعالى ومن مصل ومن لاه ومتفرج ، فيقيمون إلى نصف النهار ثم ينصرفون « 2 » . ومن ذلك اليوم بعينه يحترس البحر . وفي المنارة قوم مرتبون يوقدون النار الليل كله في الحزام الأول ، فيؤم أهل السفن سمت تلك النار « « ب » » من جميع البلاد ؛ ويوقد صاحب السفينة النار في سفينة فإذا رأى المحترسون النار في البحر ، زادوا في وقود النار وأوقدوها من جهة المدينة ؛ فإذا رأى ذلك محترسو المدينة ضربوا البوقات والأجراس حذرا من العدو . وكان حول المنار مغائض يستخرج منها أنواع من الأحجار يتخذ منها فصوص الخواتم ، مثل الاسبادشيخ ومثل الكركهن والباقلمون وغير ذلك من الأحجار الغريبة التي لا توجد في هذا الزمان ولها خواص . وهذا الباقلمون حجر يتلون ألوانا مختلفة عند النظر إليه كلون ريش الطواويس الهندية ؛ فإن ألوان ريشها أحسن ألوانا من هذه الطواويس التي بهذه البلاد . ولطواويس الهند جمال عظيم وخلق عجيب ، تتمازج ألوان ريشها وتترادف فيها فيرى لها منظر عجيب ؛ وأصلها من الهند وما خرج منها من ديار الهند صغر حجمه وكدر لونه كما « « ج » » يفعل ما نقل من النارنج والأترج من بلاد الهند ، فإنها تصغر وتعدم تلك الروائح العطرية لعدم ذلك الهواء والتربة . قيل وكان حول المنار من تلك الجواهر كثير ، فيقال إن الإسكندر أغرق ذلك حول المنار فيوجد هناك إذا طلب ، ويكون ذلك الموضع أبقى لها ويرى الناس على مر الدهور عظيم ملكه
--> « ا » النص : العرس . « ب » ب : الناس . « ج » « كما » ناقصة في ب . ( 1 ) قارن ابن رسته ، ص 118 ؛ المقدسي ، ص 211 . ( 2 ) البكري ، المخطوط ، ص 60 ؛ انظر المقريزي ، الخطط ، ص 266 ، 495 .